المركز الوطني لأبحاث الموهبة والإبداع
         Facebook  Twitter  Youtube  Flickr Wikipedia المنتدىإتصل بناEnglishFrançais    
 

 
  
 

Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com

 

الصفحة الرئيسية  
 
 

 

قصة الإبداع

  أهداف الموضوع: نقاش يدور حول إسقاط مفهوم الإبداع على  عصر الإنسان الأول وما تلته من حقب زمنية وهل ما تم الوصول إليه من مفاهيم حالية عن الإبداع مطابق أم مختلف، أي هل الإبداع تغير باختلاف الحقب الزمنية أم هو مفهوم وحيد يتبدل ويتلون لمواكبة العصر فقط.

   

  في بدايات الإنسان الأولى حيث لا شيء هناك ، أرض بكر ومخلوق جديد ، خلق وخلقت معه حاجاته ، وخلقت معه أداة تعينه على العيش وهي العقل...إذن : أرض ومخلوق ذو حاجات وعقل، لم يبقَ إلا التفاعل بين هذه الثلاثة ليتمكن ذلك المخلوق من العيش والتكيف.

  ربما يكون من المناسب هنا وضع نظرية ماسلو في الصورة لأنها أنسب نظرية في وصف الإنسان الأول....حسب ما يعتقد ماسلو فإن أول ما يحس به الإنسان الجوع والعطش والخوف(Fiore,2004) وبالتالي كان في حاجة ماسة للتفاعل من أجل إشباع تلك الحاجات الملحة،فصنع أدوات الصيد وملابس من الشجر...وغيرها لتعينه على البقاء والتكيف، والسؤال هنا : هل هذه المنتجات التي صنعها تعتبر إنجازات إبداعية ؟ هل العمليات الذهنية التي قام بها هي عمليات إبداعية ؟هل تنطبق عليه سمات شخصية المبدع؟

  إن الخوض في مثل هذه المصطلحات والمفاهيم المتقدمة عن الإبداع في عصر الإنسان الأول يبدو غريباً لكنه يستحق أن نقف عليه ونتأمله بل ونستشعره بأعماقنا كي نصل إلى الحقائق التي قد تقود إلى تطورات محتملة في مجال الإبداع الحالي.

  من المؤكد بأن الإنسان ما قبل التاريخ لم يكن مدركاً بمسميات ما يقوم به من إنجازات حيث لم يصل إلى المستويات العليا من هرم ماسلو  هو فقط يركز طاقاته لإنتاج المفيد ومن ثم استهلاكه لكن أقرب مفهوم لما يقوم به هو: الخلق الإنساني إن صح التعبير، ومن الممكن أن نتمادى قليلاً فنذكر: خلق إنساني جديد، وبالتالي هذا التعريف لا يصل إلا إلى أبسط أنواع التعريفات للإبداع وهو التعريف اللغوي: خلق شي جديد على غير مثال سابق ، والسبب ببساطة:

  • لا يوجد مثال سابق فكل ما يتم صنعه جديداً بالتأكيد فلا سبيل للمقارنة هنا.

  • لو افترضنا جدلاً أن هناك إنسان آخر في نفس الزمن وصنع نفس الأداة ولكن بشكل متطور يمكننا حينها المقارنة فنقول بأن الثاني مبدع –حسب التعريف اللغوي- لكن من الصعب جداً الحصول على معلومات من خلال علماء الآثار بنفس دقة هذه التفاصيل.

وبالتالي الإبداع في العصور القديمة هو: سد حاجة بصنع الجديد.

   وقد وجد علماء الآثار كثير من الرسومات على جدران الكهوف وقطع متعددة من الحلي(الأمين،2004) وهذا يعني أن الإنسان القديم اهتم بالجوانب الفنية بعد أن أشبع حاجاته الجسدية ثم انتقل إلى أهم الحاجات النفسية وهي الأمن وبعدها انتقل إلى الحاجة النفسية العليا وهي الحاجة إلى تغذية الروح : الجمال والفن، وبالتالي ينطبق هنا نفس التعريف: سد حاجة لصنع الجديد إلا أن هذه الحاجة من مستوى أرقى.

  إن الفرق بين الإبداع الأول والثاني هو أن الأول إبداع علمي والثاني فني وذلك على افتراض أن الإبداع العلمي لحل المشاكل الأساسية والفنية لإشباع بعض الحاجات النفسية.

  تلى العصر الحجري القديم العصر الحجري المتوسط ثم الحديث ثم انتقلنا لمرحلة التأريخ ومرحلة ما قبل الميلاد(الجوهري، بدون تاريخ) ومع مرور هذه الأحقاب الزمنية تطورت المعارف وتطورت أساليب الحياة وفي محاولات الإنسان للتكيف مع المستجدات كان يواجه مشكلات لكن تختلف في نوعيتها وتعقيدها عن تلك التي واجهها الإنسان الأول، كما أن الإبداع الفني كان يتجه للتعقيد أكثر من البساطة وللجدة أكثر مما كان تعبير عن النفس وإشباع لحاجة حب الجمال.

  ومن هنا أصبح التعبير البسيط عن الإبداع-المذكور أعلاه- لا يكفي لسببين:

  • تعقيد الحياة وبالتالي تعقيد الحاجات على الصعيدين الفني والعلمي وكثافة الإنجازات.

  • الاستقرار والاستيطان وتطور النظم الاجتماعية وتكون الحضارات.

  • كثافة التواصل الاجتماعي على مستوى البلد الواحد وعلى مستوى البلدان المجاورة.

  كل هذه الأمور مجتمعة أدت  إلى انتقال الحضارات والمنجزات ونشأة المقارنات بين تلك الإنجازات وبالتالي كان لابد من إضافة هذه العبارة " على غير مثال سابق" في تعريف الإبداع.

  وعلى غرار الثورة النيوليثية Neolithic Revolution  (العصر الحجري الحديث) التي حصلت في أواخر العصر الحجري وحولت الإنسان المتنقل الصياد إلى مستوطن مزارع-  حيث تعلم الإنسان الزراعة وبدأ بالاستقرار والاستيطان(الأمين،2004) وتكونت الحضارات المستقلة وارتقت الأنظمة الاجتماعية والنظم الأسرية  وتوالت التطورات وتصعدت التعقيدات حيث أصبح من الضروري إضافة "على غير مثال سابق في تعريف الإبداع "- كانت الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر بداية لعصر جديد من العلوم (Ross,2008) ومن بينها علم النفس، ولهذا السبب كان ذلك القرن أيضا نقلة نوعية لمفهوم الإبداع تتناسب وتعقيد الحياة الاقتصادية والاجتماعية للإنسان في تلك الحقبة.

  الثورة الصناعية كانت نتيجة لتقدم علمي هائل في جميع المجالات وكان من بينها التقدم في علم النفس حيث بدأ الإنسان يدرك ما يدور في عقلة وفي نفسه ويتطلع إلى فهم ما يؤدي إلى هذه التطورات العلمية والتي تبلورت في ظهور الصناعة(   Jansz , 2004).

  نهران كبيران ظهروا على الساحة....تطور فكري ملموس أدى إلى نتاجات إبداعية لم يسبق لها مثيل في الأحقاب الزمنية القائمة على الصيد والزراعة ، وتساؤلات علمية متقدمة حول : كيف وصل العقل البشري إلى الترانزستور، في هذه النقطة الزمنية الحاسمة التقى ابتداع أشياء جديدة وظهور محاولات لفهم أسباب هذا الابتداع، وبمعنى آخر كان هناك نتاجات إبداعية علمية وفنية إلى جانب تفكير ما وراء معرفي حول الإبداع ومنتجاته والعمليات العقلية التي تؤدي إليه والذي هو بحد ذاته يعتبر إبداع فكري كان يفتقر إلية الإنسان الأول حيث كان ينتج ويسد احتياجاته الجسدية والجمالية كحد أقصى دون الوعي بماهية تلك المنتجات أو مسمى العمليات العقلية التي أعانته على خلقها أو حتى تجميلها وتحسينها.

  من عصر الثورة الصناعية والأحقاب التي تلتها ومسارين متوازيين يتلازمان هما: منتجات إبداعية على الصعيدين العلمي والفني و علوم إنسانية تستخدم منهج علمي لدراسة هؤلاء المبدعين ونتاجاتهم وطريقة تفكيرهم. وهنا وصل المجتمع البشري إلى قمة التعقيد : حاجات إنسانية متوالية تتضخم نتيجة لنتاجات إبداعية تؤمن الرخاء والكماليات ومن ثم تنتج مشكلات لاستهلاك المنتجات الكمالية وتستمر الدورة الإبداعية لحل مشاكل هذا المجتمع المعقد ونزوح ملحوظ ومتصاعد إلى الإبداع الفني كترويح للنفس البشرية التي تثاقلت همومها من اللهث وراء العيشة الهنية الكمالية من جهة ووعي الإنسان بالإبداع الفني كعلم له أصول ودارسين من جهة أخرى.

  الإبداع إذا يبدأ ببساطة بصنع الجديد لسد حاجة ويتطور قليلاً ليكون صنع الجديد لسد حاجة على غير مثال سابق ثم تتعقد المجتمعات والحاجات والكماليات والروحانيات فيتشعب الإبداع ويتطرف حيناً إلى ما يسمى بالعبقرية ويتطرف حينا آخر من الطرف الآخر إلى ما يسمى بالشعوذة والسحر ، ويتطرف في بعض الأحوال إلى ما يسمى بالاستبصار واللحظات الإبداعية في اللاوعي، لكن تسود على هذه التشعبات والتطرفات مفهوماً وسطياً للإبداع يعتبر امتداداً للإبداع الذي ينطبق على الإنسان الأول لكنه متناسب مع تعقيدات الحياة التي توالت من العصر الحجري حتى عصرنا هذا وهو في المجمل يجمع بين حل المشكلات بطريقة أصيلة-على غير مثال سابق-لكن يضاف إليه بعض التفاصيل الدقيقة المتناسبة مع التطورات الإنسانية على جميع الأصعدة حيث يضاف إليه بعد الفعالية والبعد الاجتماعي والبعد الجانبي ، والبعد التخصصي المعرفي  والبعد التعلمي ،فمثلاً: بالنسبة للفعالية فإنه يضاف للتعريف السابق أن يكون الحل الأصيل فعال ويمكن تطبيقه والاستفادة منه وليس فكرة على ورق أو أن تأثيرها في حل المشكلة بسيط جداً ، أما بالنسبة للبعد الاجتماعي فمثلاً يجب أن يكون الحل مقبولاً اجتماعياً(جروان،2009) ، أما البعد الجانبي التخصصي فالمقصود هو التركيز على جانب محدد من الجوانب المتعددة التي فرضها التطور الحضاري الإنساني(Bear,1993) وخططها التفكير ما وراء المعرفي للإبداع وهي: التفكير في الإبداع كتقييم للمنتج أو تقييم للعمليات الإبداعية أو تقييم السمات الشخصية للمبدع...، كما أن البعد التخصصي المعرفي جاء نتيجة تراكم المعارف وكثرة التفرعات العلمية مما أدى إلى الاهتمام  بما يسمى بالإبداع التخصصي المعرفي مثل: الإبداع في الرياضيات والإبداع في الفيزياء.....( Kaufman,2004).

  أما أكثر الأبعاد قيمة هو البعد التعليمي حيث يعتمد على فلسفة أن الإبداع يمكن تعلمه واكتسابه وتحسينه لدى الإنسان (Begbetto,2008 )،وهذا البعد يمكن أن نطلق عليه البعد الذهبي إن صح التعبير لأنه المنجم الذي سينتج ويطور طاقات إبداعية جديدة ومستمرة ومتطورة للمجتمع الإنساني .

  إن التعقيدات والتخصصات الحاصلة في مفهوم الإبداع من الإنسان الأول إلى الآن ناتجة من تعقد المجتمع الإنساني على جميع الأصعدة ومن مختلف المستويات لكن الفكرة الأساسية ثابتة راسخة لكنها تتطور وتتعقد حسب الحقبة الزمنية ، وهذا يدل على أن الإبداع كمفهوم علمي إنساني معرفي مفهوم قديم وأصيل يتحكم في تطورات الأمم وحضاراتها وفي المقابل كلما تطور الإنسان وتقدم كشف أكثر عن أسرار هذا المفهوم وهكذا تستمر هذه الحلقة التطورية ؛الإبداع يبدأ من نقطة البداية ويلتحم مع وجود الإنسان ثم يتم التبادل بين الإبداع كمولد لحلول مشكلات البشر ثم البشر كمطورين لمفهوم الإبداع الذي ينظم حياتهم ويطورها، بشرط أن يتناسب مفهوم الإبداع في زمن مع التطورات والتعقيدات المسيطرة والسائدة على ذلك الزمن.

 بقلم نوف بوحيمد- طالبة ماجستير تربية الموهوبين

                                                                 جامعة الملك فيصل

 

   

 

المراجع:

أولا: العربية:

  • جروان،فتحي.( 2009).الإبداع مفاهيمه ومعاييره. دار الفكر ،عمان.الأردن.

  • وولي،هاوكس.(بدون تاريخ).ما قبل التاريخ وبدايات المدنية (يسرى الجوهري، بدون تاريخ).دار المعارف.القاهرة،مصر.

  • الأمين،يوسف.(مارس 2004).عصور ما قبل التاريخ في وادي النيل.أركماني المجلة الإلكترونية للآثار والأنثربولوجيا السودانية على الموقع : http://www.arkamani.net/

  • رسوم ونقوش أثرية على الصخور وجدران الكهوف والأطلال (السبت 07/07/1428هـ) ،صحيفة عكاظ الإلكترونية،العدد2225،جدة،المملكة العربية السعودية،على الموقع التالي: http://www.okaz.com.sa/okaz/osf/20070721/Con20070721126498.htm

References:

  • Ross,Stewart.(2008)."The Industrial Revolution".Evans Brother Ltd.London.Uk.

  • Jansz,Jeroen.(2004)."A Social History of Psychology". Blackwell Publishing Ltd.UK

  • Fiore,Douglas.(2004) "Introduction to Educational Administration". Standards,Theories, and Practice. Eye on Education.New Yurok .USA.

  • Baer, J., & Kaufman, J.C. " Sure I am Creative but not in Mathematics: Self Reported Creativity in Diverse Domains". Empirical studies of the art. Vol.22, NO.2, 143-155,(2004).

  • Bear.J. " The Case of Domain Specificity of Creativity". Creativity Research Journal 1998,vol.11, No.2, 173-177,(Mahwah,NewJersy:Lawrence Erlbaum Association,Inc.1998)

  • Begbetto.R.A. , " Creativity Enhansment " , in: Plucker, Jonathan and Callahan , Carolyn (eds.) , Critical Issues and Practices in Gifted Education ( Waco, Texas : National Association for Gifted Children , 2oo8). pp.139-153.

 

 

Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com